أبي طالب المكي
49
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ما ذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : عبدي أنفق أنفق عليك ووسع أوسع عليك . ولا تضيق فأضيق عليك ، إنّ أبواب الرزق بالعرش لا تغلق ليلا ولا نهارا ، فأنزل الرزق منها لكل عبد على قدر نيته وعالته وصدقته ونفقته ، فمن أكثر أكثر له ومن أقلل أقلل له ، ومن أمسك أمسك عليه ، يا زبير إنّ الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار ، فكل وأطعم ولا تقترّ فيقتّر الله عليك ولا تعسر فيعسر عليك ، أطعم الإخوان ووقر الأخيار وصل الجار ولا تماش الفجار تدخل الجنة بغير حساب . فهذه وصية الله لي ووصيتي لك يا زبير بن العوام : والأسواق موائد الآباق يطعم المولى منها من أبق من خدمته وهرب من مجالسته ووهن عن معاملته وجبن في متاجرته . قال الله تعالى : * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ وما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) * [ الذاريات : 56 - 57 ] ، وقال بعض أهل العربية من القدماء : ما أريد أن يرزقوا خلقي إنّ الله هو الرزاق ، أي لهم لا يطالبهم أن يرزقوا نفوسهم إذا خدموه . فذكر الله الوجوه الثلاثة واختار لنفسه أحدها وهي الخدمة ، وعليه الكفاية . واختار من العبيد أحدهم فجعله عابدة وتنزه عن أحدهما وتعالى عنه وهو الإطعام من العبيد له ، وصرف عموم العبيد في الوجه الثالث من الإطعام لأنفسهم وهو التكسب ، وضرب هذا مثلا بينه وبين خلقه في الأرض وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ، فبقي العبيد مع الله تعالى بحكمين ، أحدهما ما اختاره لنفسه من العبادة وهي المعاملة وعليه الرزق كيف شاء ومتى شاء وهؤلاء عباد الرحمن لا عبيد الدنيا ، والثاني ما صرف العبيد فيه من التكسب لأنفسهم وجعل ذلك رزقا منه لهم بجوارحهم ومدحهم على هذا الوصف ، وهؤلاء عموم العبيد منهم عبيد الدنيا وعبيد الهوى وبقي المولى مع العبيد على الأحكام الثلاثة التي أباحها الله تعالى لهم وضرب بها المثل بينه وبينهم ، أيها اختاره كان ذلك لهم . وتفسير ذلك أن للمولى من الخلق أن يقول لعبده : اذهب فأطعمني لأنك عبدي وملك يدي ، فأنا أملك كسبك كما أملك نفسك . وهذا هو الوجه الذي ذكرناه أنّ الله تنزه عنه وتعالى علو كبيرا فقال تعالى : * ( ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) * [ الذاريات : 57 ] ، كما يريد الموالي من عبيدهم هذا ثم يقول المولى منا لعبده : اذهب فأطعم نفسك واسع في قوتك فقد أبحت لك ذلك ، ووهبت لك كسبك فهو رزق مني لك وتفضّل مني عليك . وبهذا صار المكاتب لعبده في فكاك عتقه كالمعتق بأن كان له الولاء وقد يكون له الميراث في حال . لأنه منعم عليه بالكتابة له كالمعتق . وإن كان العبد هو الذي سعى في فكاك رقبة نفسه بكسبه من قبل أنّ المولى يستحق عليه كسبه ويملك رقبته ، فلما ملك عبده ذلك صار محسنا إليه فهذا حال عموم العبيد مع الله تعالى ، لأنه مولاهم الحق وهم